الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

آل الصباح صمام الأمان

القرار الفردي ليس بالضرورة أقل فعالية وقيمة وقدرة من القرار الجمعي، فقد يمر بالوطن زمن يحتاج فيه إلى قوة الفرد وليس إلى قوة الجماعة، فالجماهير تخطيء أخطاءً فادحة إذا غيرت مسارها فانتهجت طريقاً أوحي إليها أنه طريق النجاة أو المقدس أو كالذي يستنشق رحيق الأسلاف فيسد أنفه عن عبير الحاضر، ولا يكترث للمستقبل.


بيني وبين الكويت علاقة دافئة تمتد لنصف عُمري، وأحزن إذا أصابها هَمٌّ، وأتأسف لأوجاعها، وأغضب إذا مسّها أحد بسوء.
وكنت دائماً أكتب بصراحة عن أفكاري، وأكشف عن عتابي، وأقدم اقتراحاتي، فيتقبلها صانعو القرار بصدر رحب، وفي الوقت عينه أرى العقل الجمعي يلجأ إلى قيود الماضي العتيق بحجة القداسة أو الفتاوى أو آراء أئمة الدين.
مهما كانت قوة الأمير أو الملك أو الزعيم أو السلطان فإنها تضعف بمجرد أن يلوّح رحال الدين بغضب السماء، ويأتون من بطون التاريخ بأدلة وكتابات تؤكد أن السماء تتابع كل صغيرة وكبيرة ولا تترك للقصر فرصة القرار قبل أن يتبرك بالفتاوىَ.


لأكثر من مئتي عام وآل الصباح هم صمام الأمان للكويت وللكويتيين، يحفظون استقلالها، يدركون أهمية دواوينها، يختارون أفضل من فيها لدفع حركة النهضة إلى الأمام فترعرت في الكويت الحركات الأدبية والجمعيات العلمية ومعاهد البحوث ودور النشر والإعلام وتنفس الكتاب كويتياً.
لكن ظل التلويح السلفي الذي يملك حصانة الفتوى يُشغل الدولة بصغائر الأمور، ويضع الإسلام بين قوسين من التشدد والتطرف، وبدأ الأمر كأنهم يحاربون سلطة خارجة عن دين الدولة رغم أن التزام آل الصباح بالدين هو في أغلب الأحيان أشد وأكثر التزاماً من الدعاة أنفسهم.


فلنكن صرحاء!
لماذا سبقت دولة الإمارات وسلطنة عُمان الشقيقة الكويت التي تملك كل مقومات الدولة العصرية، وصنعت دستورها في صورة متقدمة، ومارست الحرية، وكانت الرئة التي تتنفس منها دول مجلس التعاون الخليجي؟
كيف تناضل المرأة الكويتية قبل شقيقاتها في المنطقة بأسرها، وتتولى أعلى المناصب، وتربي أجيالا في الجامعات والمعاهد، ثم يطل علينا العام السادس عشر في القرن الواحد والعشرين ويناقش ممثلو الشعب قضية الاختلاط، أي إبعاد شبهة اقتراب وزيرة من زميلها لئلا تلتهب القاعة؟
السبب الحقيقي أن القرار الأعلى في سلطنة عُمان ودولة الإمارات لا يعلو عليه، ولا نقاش فيه، وأن مجالس الشورى والنصح والإرشاد والتخطيط والتشريع في الدولتين لا تهدد بالمقدس، ولا يمكن أن لداعية إماراتي تحريم السياحة، ولا لداعية عُماني رفض أمر للسلطان قابوس بالمساواة الكاملة بين الجنسين.
في الإمارات يتم تعيين وزيرة في الثانية والعشرين من عُمرها، وفي الكويت تصرخ القوى الدينية مطالبة بأولوية الذكور على الإناث.
في الكويت تتركز السلطات في مجلس الأمة رغم أن السلطة التنفيذية الممثلة في آل الصباح الكرام هي التي يلتف حولها الشعب، وهي التي تقود حركة النهضة وتحافظ على الدستور وبدونها فإن الحركات الطائفية والمذهبية ستربك كل الحسابات، وتفتح الباب لقوى خارجية في لبننة هذا البلد الصغير.


إن محاولات سحب البساط من تحت أقدام صناع الاستقلال والدستور والتحرير ليس في مصلحة أحد، وسيأتي الوقت الذي تكون فيه الكويت في مؤخرة ركب دول مجلس التعاون الخليجي، فالإمارات يدور فيها حوار السعادة، وسلطنة عُمان لا  تتباطأ فيها النهضة وفقا لأسعار النفط.
لا أدعو لأي صورة من صور الاستبداد، معاذ الله، لكنني أضع علامات تعجب واستفهام تنضوي تحت الإجابة الوحيدة التي نعرفها جميعا: لماذا تــَــقدَّم الجيران ، وتأخرت الكويت وهي التي يحكمها عشاق الحرية والثقافة والوطن من آل الصباح الكرام؟


السلطة التشريعية ليست هي مجلس الأمة فقط، إنما الكويت كلها فلا تنتقصوا، أيها الكويتيون، من قدر السلطة التنفيذية.
لابد أن يكون هناك مؤتمر كويتي داخلي يجمع المثقفين والسياسيين والخبراء والوزراء لمناقشة موضوع تدخل الناطقين باسم السماء للسيطرة على مسيرة أبناء الوطن، ومعرفة الأسباب التي جعلت دولة الإمارات وسلطنة عُمان في المقدمة!
إذا لم تسابق الكويت الريح فسيسبقها جيرانها بسنوات ضوئية!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 20 مارس 2016



   


ذكرىَ الثاني من أغسطس .. يوم الغدر!


كان صدام حسين حالة من الغلظة المعجونة بانتفاخ ذاتي جعله يصنع نفسه كطاغية في الوقت الذي صنعه آخرون كقائد للعرب فوق رؤوسهم.
كان يظن نفسه أكثر تحضرا ووطنية وفروسية وفكرا من كل جيرانه، فحمل كراهية للخوميني ولحافظ الأسد ولآل الصباح ولحكام الخليج ولهواري بومدين ولآل سعود وغيرهم ولم يبق له إلا جوقة المدّاحين والخائفين والوصوليين.
ثمان سنوات من الحرب المجنونة مع حراس الثورة الإيرانية، وبعد أقل من عامين جاء نائبه، عزة إبراهيم، يصافح الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، رحمه الله، في جدة للاتفاق على حدود آمنة ومطمئنة.
لكن عزة إبراهيم كان مبعوث الغدر، وقبيل فجر الثاني من أغسطس عام 1990 اخترق عشرات الآلاف من أشاوس الطاغية حدود بلد عربي صغير كان ثلث سكانه هاربين من قيظ الصيف، وجيشه في حماية أوفياء الجبهة الشرقية، فإذا بالنذالة والوضاعة وتربية حزب البعث العربي الاشتراكي/فرع بغداد تظهر كبثور في جمجمة لا تعرف الرحمة، ولا تحترم العهد، فهي التي مزقت اتفاقية الجزائر قبيل الحرب مع إيران.
تحررت الكويت، في الإرادة، قبل أن يحتلها شيطان بغداد بمصفحاته ، فالكويتيون مزروعون في تربة منذ أكثر من قرنين، وتحت حماية نفس الأسرة الحاكمة.
لم يفهم صدام وأكثر عربنا؛ فقد ظنوا الكويتيين مرفهين ومنعمين ومدللين، فإذا بالمقاومة الكويتية تبدأ في صباح نفس اليوم، بشهادة السفير النرويجي لونجفا والسفير الهندي في الكويت.
حماقة الطاغية أنه استبدل بفكره أذنيه، واستمع لعشرات الملايين من شعوبنا المغلوبة على أمرها، والباحثة عن فارس ولو في معارك وهمية.
الثاني من أغسطس يوم أغبر في تاريخ العرب عندما أعطى صدام لإسرائيل مبرر احتلالها لفلسطين، وهتفت تل أبيب شاكرة للديكتاتور الأحمق شهادة توثيق احتلال عربي ليوازي احتلالاً صهيونيا.
ورغم تحرير الكويت فما يزال هناك عرب يعشقون الدم، ويتغزلون في الطغاة، ويكرهون الخليج كأن إسرائيل في شط العرب.
صدام حسين صناعتنا، وتحرير الكويت صناعة كويتية محلية خالصة لوجه الديرة.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
Oslo Norway
الثاني من أغسطس 2016

الأربعاء، 16 مارس 2016

في الكويت مئة مجلس أمة و .. واحد!

الكويتيون يملكون وعياً سياسياً سابقاً لمعظم دول المنطقة، وديوانياتهم مجالس أمة متحركة ومتنقلة، وهموم الوطن الصغير كثيرة ومتشعبة، فلماذا تقتصر الأخبار الصحفية، غالباً، على أحاديث وتصريحات أعضاء مجلس الأمة؟
للأعضاء المختارين من الشعب الكويتي في انتخابات حرة كل التقدير والاحترام، لكن هذا لا يمنع توسعة رقعة الوعي السياسي والأحاديث التي لا تجري بالضرورة تحت قبة البرلمان، فالمشاركة الشعبية تعطي للأخبار مذاقا خاصة ومختلفاً.
السلطة التشريعية تسأل الحكومة فيما يدور بخلد أبناء الشعب، لكن هذا لا يمنع الصوت الشعبي الذي يعبر أحيانا بعفوية وتلقائية عن قضايا أعمق وأكبر وأشمل.
السلطة التشريعية ليست مكونة من طوائف ملائكية، فهناك تشابكات خفية ومصالح جانبية تتسلل إلى عقول تحت قبة الحرم الديمقراطي، فتخسر الكويت جيراناً، ويعلو صوت طائفي، وتشتعل حنجرة ترى الوطن الصغير في شخص أو مذهب أو تأثير قادم من مكان غير بعيد عن تراب الوطن.
إن حصر أخبار الكويت في بضعة عشرات من ممثلي الأمة ظلم شديد للمجتمع، وتقصير أشد من الصحافة ووسائل الإعلام، وكان يمكن تفهم هذا التقصير لو كان في الصين الشعبية أو روسيا أو أمريكا، أما إشراك الكويتييـن بكافة مشاربهم وآرائهم فقد يزيد حوارات المجتمع ثراءً، بغير انتقاص من حصانة العضوية البرلمانية.
عضو مجلس الأمة صوت ينبغي أن لا يكون في البرية يضيع صداه بين الوديان، وحصانته احترام وهيبة للسلطة التشريعية، لكن الصوت الشعبي أيضا ثري ومليء بالأفكار والاقتراحات والآراء التي قد لا تصل إلى البرلمان فلا تسمعها الحكومة.
مهمة ليست ثقيلة نلقيها على مسامع السلطة الخامسة التي تعرف أن كثيراً من الديوانيات تتصارح فيها وتتجاذب وتتناقض كل الآراء الصالحة للمساهمة في تطور نهضة الكويت.
الجمعيات الثقافية والأدبية والفكرية ومراكز البحوث العلمية والتخطيطية والاستراتيجية كثيرة في الكويت، وبإمكانها أن تمد الديرة بأضعاف ما يعرف أعضاء مجلس الأمة، ولنا عبرة في التاريخ الحديث، حينما عرض سمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، تغمده الله بواسع رحمته، وهو أمير البلاد الملتفة حوله الأمة بعد تحقيق وعد التحرير، وطلب من مجلس الأمة تشريعاً يسمح بمشاركة المرأة في الحقوق السياسية، وتم رفض الطلب( في المرة الأولى )، وكاد حزن أمير القلوب يمزق القلوب، رغم الدور البطولي للمرأة الكويتية كخط دفاع في المقدمة ضد مغول صدام حسين وأشاوس قسوة المحتل الغازي.
تمنياتي تلك من الصحافة الكويتية ووسائل الإعلام لا تنتقص قيد شعرة من دور أعضاء مجلس الأمة الأمناء على قضايا الوطن، لكن آلاف الكفاءات الفكرية والعلمية والثقافية والقانونية والتشريعية والسياسية والاجتماعية وغيرها يجب أن تصبح جناحاً آخر لصوت الشعب، لا يحمل حصانة برلمانية لكنه يُـثري المجتمع، وهذا لن يحدث قبل أن ترفع وسائل الإعلام والصحافة اليومية من شأن حوارات الشارع والديوانيات والمؤتمرات والندوات.
على الكويت كلها أن تصبح برلماناً مسموعاً صوته في أروقة الصحف الكويتية، لكن يظل مجلس الأمة حاضراً وممثلا شرعياً للشعب في الحرم الديمقراطي المنتخــَـب.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 16 مارس 2016

السبت، 27 يونيو 2015

الشيخ نواف الأحمد .. الوفاءُ مجســَّــد


الوطن ليس قطعة من الأرض فقط، لكنه مصنع للرجال وإذا قام باغٍ أو محتل أو مستعمر بمحاولة إغلاقه، فبعض الرجال قادرون على إعادة فتحه في الخارج ريثما يندحر الغزاة!

والكويت حالة على حدة، فهي تصنع رجالها وتقوم بإعادة ربط حبل السُرة بين ترابها وروح رجالها، فتقصر المسافات، وتتقلص الأزمنة، ويصبح الوطنُ حالةً من الحب الذي لا تستطيع قوة في الأرض أنْ تزحزحه عن مكانه قيد ذرة.

عندما اختار صاحب السمو الأمير وليَّ عهده، وقدَمه إلى مجلس الأمة كادت الدهشة ترتسم على وجوه كل الأعضاء، فليس هناك من يعترض أو يتردد أو يُعيد التفكير لعله يأتي بنتيجة أخرى غير الإجماع، فالشيخ نواف الأحمد في كل بيت كويتي، وفي كل شبر من أرضها، وفي كل قلب.

قال لي الدكتور عبد الرحمن العوضي في حوار جانبي بحفل في الكويت: الشيخ نواف الأحمد رجل دولة من الطراز الأول، وهو قادر علىَ تحمل مسؤوليات يعجز عن حملها أولو القوة من الرجال.

الأرض الصُلبة التي تضرب جذورها في العمق المكاني والزماني، تستطيع أيضا أن تمد جذورها إلى البحر، وتعرف عاشقها من علاقته بالبحر والصيد والأمواج وركوب الأخطار، وكلها اجتمعت في الشيخ نواف الأحمد.

كان سمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، رحمه الله، قلقاً بشدة وهو على الحدود السعودية يُعد العُدة للبدء في مقاومة جحافل الغزو، كأكثر قوى المقاومة على مدار التاريخ، أي تمد مقاومتها في كل مكان ، وطلب من وزير الدفاع الشيخ نواف الأحمد أن يعيد ترتيب أولوياته مع جنوده في المقاومة من مكان أكثر أمناً، لكن الشيخ نواف الأحمد انتظر مع جنوده حتى اللحظة الفاصلة بين قبضة العدو و.. بين اختيار مكان آخر يعجــّــل في عودته إلى الوطن المحرر.

قادر على تكييف كفاءاته وإمكانياته وقدراته في أي منصب يتولاه، وكان يردد دائماً وبتواضع شديد بأن مكانه حيث يأمر صاحب السمو الأمير.

وظن الأعداء أن الديرة أضعف من أن تتصدى للارهاب، فعاد الأمن إليها عندما تولىَ وزارة الداخلية في أحلك أوقات التربص الخارجي بالكويت.

تولى وزارة الدفاع حيث سنَّ جيران الشمال أنيابهم بأوامر من طاغيتهم، ولم يــَــخـَـف، ولم يتردد في حشد الأقل لمواجهة الأكبر، وسربوا شائعة اصابته الخطيرة ليفتوا في عضد جنوده، لكن روحه، وهو حيّ أطال الله عمره، كانت قد سرت في صدور جنوده، فقاوموا بها، حتى تأكدوا أن قائدهم معهم جسداً وروحاً.

كان وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل، وظهر جانب آخر لم يكن يعرفه أكثر الناس، أي التناغم والانسجام بين الحسم في شدته، والرحمة في عمقها، فكان الملاذ والملجأ لكل من بحث عن العدل في المساعدة والدعم المالي والتعاطف الأسري، وكان الكويتيون وغير الكويتيين على قدم المساواة حتى أنه أمر بأن تلحق الأسرة بربها الوافد وإمام المسجد المقيم في الكويت.

كان نائبا لرئيس الحرس الوطني، وكأن العسكرية بيته الثاني فقضى سنوات أثرى فيها هذا الجهاز بالقوة والسلاح والتدريب وأدخل مناهج علمية وأرسل شبابا لتلقي أحدث طرق التعامل مع البرمجة والحاسوب.

ظل، رعاه الله، متسامحاً معي في كل الأمور التي أبلغت سموه انتقادي، محبة في الكويت، وعندما استقبلني في مكتبه بوزارة الداخلية ولم أقم باختيار كلماتي بعناية، وقلت لسموه بأن ركاب الطائرة البريطانية القادمة من لندن صدموا لسلحفاتية مكتب التأشيرات، وتأخر فتحه، وأن الركاب تهامسوا عن وزارة الداخلية. ارتسمت فورا علائم الغضب على وجهه الكريم، ووعدني أنني سأرى في مطار الكويت في زيارتي القادمة شيئاً يدخل السرور، ويحسّن صورة الكويت. وفعلا أوفىَ بوعده.

لم يسع إلى منصب، ولم يفرح بالصعود الوظيفي، فكان يتلقى توجيهات صاحب السمو كجندي في اليوم الأول لمعسكر تدريب، حتى عندما أصبح الرجل الثاني في الكويت لم تظهر على يومياته أي تغييرات كبيرة، فهو هاديء الطبع، يعشق البيت وأولاده، وظيفته زوج مثالي ووالد يُربــي ويعلّم وينصح ويسمع ويقدس الحياة الأسرية حتى على مائدة الطعام العائلية التي ليس فيها من يشغله آي فون أو موبايل أو رسائل جانبية، فهذا وقت الأب والأم.

عندما يشرع في الإجابة على سؤال فإنه ينصت للنهاية، ويفكر، ويمنح محدثه حقه في بشاشة الوجه ليضفي روح الاطمئنان.

كل المسؤولين الكبار في العالم أجمع يستريحون من وعثاء العمل المستمر والاجهاد بالسفر والتريح والاسترخاء في أحضان الطبيعة، أما سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد فراحته في الكويت، وسفره البعيد بين برها وبحرها، بين صحرائها و.. بيته الدافيء.

يشتاق للكويت فور وصوله إلى المطار مغادراً، وفور انتهاء مهام العمل في الخارج يختصر ما بقي من أيام إلى ساعات، ثم إلى دقائق كأن الكويت لا تستطيع صبراً، والحقيقة أن سموه هو الذي لا يستطيع بُعداً.

يحب الموسيقى، فمن لا نغم في ذكرياته لا يمكن أن يجدد يومه. يستمع إلى أولاده مهما كانت شكاواهم، ويتفهم منطقهم، ويخفي حسم المنصب خلف حب الأب، فالأولوية للأبوة.

مضت ثلاثون عاما على معرفتي بسمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، ورأيت في سموه كل الصفات الجميلة والنبيلة وفي مقدمتها الحياء والوفاء والشرف والشجاعة والوطنية.

لم تخرج من بين شفتي في ثلاثة عقود كلمة أسرّ لي بها في لقاء خاص، وغضب مني مرة واحدة ( ابريل 2008 )، لكن معادن الرجال تعيد تلميع الغضب وإزالة ما علق به من عتاب، ليتحول إلى تسامح عجيب كأن الحادث أزيل من الزمن نهائياً.

كانت أسعد لحظة في علاقتي الجميلة عندما جاءني صوته الدافيء في مكالمة هاتفية، فبراير 2006، كأن الديرة حملتها لي في أوسلو وقد عرف أنني أريد تهنئة سموه بثقة صاحب السمو ومجلس الأمة ولياً للعهد.


وحفظ الله الكويت من أي مكروه.


الجمعة، 26 يونيو 2015

لماذا آل الصباح صمام الأمان؟


بعد دقائق قليلة من حدوث الانفجار الآثم في مسجد الإمام الصادق، كان رمز الدولة، سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، يتفقد موقع الحادث الارهابي، ليؤكد للكويتيين والمقيمين على أرضها أن آل الصباح متيقظون للخطر، وأن الالتحام حالة قدرية منذ أن تولت هذه الأسرة الكريمة حُكم الكويت لأكثر من مئتين وخمسين عاماً.
الشعب الكويتي في الأزمات الخطيرة وفي المنعطفات التاريخية يعرف قبلته، ويدرك تماما أن الانحياز إلى آل الصباح هو تجديد الاستقلال واعطاء رسالة إلى قوى الكراهية الطائفية أن الكويت لا تتجزأ ولا ينفرط عقدها تحت أي ظرف.
هكذا كانت أيضا اختيارات الكويتين في منتصف أكتوبر 1990 خلال مؤتمر جدة، فانحازوا جميعاً إلى آل الصباح الكرام، وتحررت الكويت بعد المؤتمر بعدة أشهر.
وكذلك كان موقف الكويتيين إبان حادث موكب سمو الأمير، رحمه الله، في منتصف الثمانينيات، فكان الالتحام قبلة على جبين الوطن، وقسما بحمايته.
نعم، الخطر يحيق بالديرة من كل مكان، والفكر المتطرف يسعى للوصول لموقع قدم فيها، وداعش واليمن كجماعات التشدد التي تقضم من المنطقة كل يوم قطعة أرض، وترفع أعلامها السوداء فوق القلوب قبل الساحات والمدن.
ثقتي كبيرة بصاحب السمو الأمير وسمو ولي العهد الشيخحمد الجابر الصباح وسمو رئيس الوزراء الشخ جابر المبارك الحمد الصباح، وأنا أرى أن من لا يقف مع اللكويت في الدقائف الأولى عقب الحادث الارهابي فوقوفه المتأخر كصمته تماماً أو كترجيحه قوى الشر والتعاطف معها.
في فجر الثاني من أغسطس 1990 كان المترددون كثراً، والمنتظرون أكثر، والصامتون أضعافاً مضاعفة، لكن الكويت كان الأكبر في التشبث بشرعية آل الصباح، وبجذور شعبها الضاربة في عمق وطن من أقدم أوطان المنطقة.
من لا يقف مع الكويت الآن فليس للكويتيين حاجة في تعاطفه معهم لاحقاً.
من يتحدث عن المذهب الآخر وشره المستطير ووجوب محاربته كمن يشعل آبار النفط مرة أخرى.
أيها الكويتيون،
توقفوا عن النقاشات المذهبية والطائفية والدينية، وانتبهوا للأخطار القادمة من كل صوب وحدب.
أمانكم في وحدتكم، واستقلالكم مع آل الصباح امتداد لنشأة هذا البلد الطيب.
حفظ الله الكويت وشعبها وشرعيتها وآل الصباح الكرام.



الأربعاء، 8 أبريل 2015

لماذا الكويت؟


لقد مرت ثلاثون سنة على زيارتي الأولى لدولة الكويت، وفي خلال العقود الثلاثة تلك أصبح الشأن الكويتي واحداً من همومي واهتماماتي، وتكونت صداقات، وأثمرت علاقات أدبية وفكرية وثقافية وأخوية.

أعترف بأنني وجدت في الكويتيين صفات حميدة كثيرة، وكانت تجاربي كلها ايجابية باستثناء حادث واحد في ابريل 2008 حينما تكالب الوشاة، واحتج على وجودي في الكويت أربعة سفراء عرب زعموا أنني أشن حملة على زعمائهم خلال زيارتي للديرة، وكانت الضغوطات شديدة على المضيفين الكرام، وشاء العلي القدير أن يأتي اليوم الذي يسقط فيه زعيمان من الأربعة، والثالث على مرمى حجر من السقوط.

الغريب أن أحد السفراء الذي احتج على وجودي ضيفا على دولة هو أيضا ضيف عليها، أصبح منبوذا، ويطالب الكويتيون بطرده، فزعيمه طاغية من الطراز الأول.

في الكويت وسلطنة عُمان أشعر بألفة شديدة، وبأمان لا مثيل له، ويغمرني أهل البلد، مضيفون وغير مضيفين بمودة كأنني بين الأهل والأحباب.

كتبت عن الكويت منذ صدور العدد الأول من ( طائر الشمال) في يونيو 1984، ووقفت مع أهل البلد في السراء والضراء، وكانت تجربة الاحتلال العراقي المحك الرئيس الذي فتح لي قلوب الكويتيين، خاصة أنني كنت الصحفي العربي الوحيد الذي طالب في قلب بغداد بحدود كويتية آمنة معترف بها من العراق، في وقت كانت الإشارة خفية إلى هذا الموضوع على مسمع من صدام حسين تعني العد التنازلي لقائله، حتى لو عاد إلى بلده.

توقفت عن الخوض في هموم الكويت لمدة عامين فقط إثر الأزمة التي حدثت في ابريل 2008 عندما مارست حقي الطبيعي كإعلامي وصحفي في توزيع مؤلفاتي، هدية مجانية، لتسعين من الإعلاميين الضيوف، وبطريقة متحضرة ولائقة وذلك بوضعها في غرفهم بالفندق.

لكن الدنيا انقلبت عاليها سافلها، واتصل الصحفيون بسفراء بلادهم زاعمين أنني أقوم بحملة ضد أسياد القصر ، الذين سقط منهم اثنان، ففي عالمنا العربي يظن الإعلامي أن زعيم بلده يتجسس عليه في فراشه، ويتسلل إلى أحلامه.

لم أكن على استعداد للكتابة وجرحي ما يزال غائرا، وهدأت العاصفة، واكتشف الكويتيون أنني كنت الأقرب إليهم من كل السفراء والإعلاميين الذين يزعمون أنهم حماة مصالح الكويت في بلاط الطغاة والمستبدين في الدول( الشقيقة)، وعادت الأمور إلى طبيعتها، فصداقة لنصف عمري لا يمكن أن تتعرض بسهولة لعاصفة إلا أن تكون في فنجان حتى لو اجتمع كل الوشاة على كلمة موحدة يصبونها في أذن مضيفي.

وكبرت الكويت مرة أخرى في عيني، واكتشفت معادن من ذهب لرجال وقفوا معي في حضوري وغيابي، كما كانت هناك قلة حائرة لا تعرف إن كنت أصبحت من المغضوب عليهم، أم أن الرباط الدافيء لا يزال متينا ومعقودا بين شغاف القلب فلا ينفك إلا بأمر الله.

هذه المدونة لبسط حقائق الهم الكويتي كما أراها، وطرح رؤيتي، والخوض في أمور وشجون ومواجع وأفراح وأحزان لعلها تساهم، ولو بقدر ضئيل في إزالة اللبس والغموض وسوء الفهم الذي كان لسنوات طويلة سمة مميزة تغطي على وضوح الصورة الحقيقية للكويت.

آمل أيضا أن تساهم كتاباتي مع المهتمين بالشأن الكويتي في تذليل العقبات، والتعريف بالثغرات، ووضع اقتراحات، وتوجيه نصائح أخوية، خاصة أن المسؤولين الكويتيين لا تأخذهم العزة إن جاءت نصيحة من خارج الوطن الصغير، وقد تم الأخذ برأيي عدة مرات في أمور مغرقة في المحلية والخصوصية، فزاد احترامي وتقديري للكويت والكويتيين.

وعلى الله قصد السبيل.

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين الكويتيين

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com